الشيخ الطبرسي
173
تفسير مجمع البيان
غائب ، لأن كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه ، جاز له أن يرده إلى الغائب ، قال كثير : أسيئي بنا ، أو أحسني لا ملومة لدينا ، ولا مقلية إن تقلت ( 1 ) وقال عنترة : شطت مزار العاشقين فأصبحت عسرا علي طلابك ابنة مخرم ( 2 ) وقوله : ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون ) المعنى ، فلما أنجاهم بغوا . المعنى : ثم أخبر سبحانه عن ذميم فعالهم ، فقال : ( وإذا أذقنا الناس رحمة ) يريد بالناس الكفار ، فهو عموم يراد به الخصوص ( من بعد ضراء مستهم ) أي : راحة ورخاء بعد شدة وبلاء ، وحقيقة الذوق فيما له طعم يوجد إنما يكون طعمه بالفم ، وإنما قال أذقناهم الرحمة على طريق البلاغة ، لشدة إدراك الحاسة إياها ( إذا لهم مكر في آياتنا ) أي : فهم يحتالون لدفع آياتنا بكل ما يجدون السبيل إليه من شبهة ، أو تخليط في مناظرة ، أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . وقال مجاهد : مكرهم استهزاؤهم وتكذيبهم . ( قل ) يا محمد لهم ( الله أسرع مكرا ) أي : أقدر جزاء على المكر ، ومعناه أن ما يأتيهم من العقاب أسرع مما أتوه من المكر أي أوقع في حقه . وقيل : إن مكره سبحانه إنزاله العقوبة بهم من حيث لا يشعرون . ( إن رسلنا ) يعني الملائكة الحفظة ( يكتبون ما تمكرون ) أي ما تدبرون من سوء التدبير . وفي هذا غاية الزجر والتهديد من وجهين أحدهما أنه يحفظ مكرهم والآخر أنه أقدر على جزائهم وأسرع فيه . ثم امتن الله سبحانه على خلقه ، بأن عدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال ، فقال ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) أي : يمكنكم من المسير في البر والبحر ، بما هيأ لكم من آلات السير ، وهي خلق الدواب وتسخيرها لكم لتركبوها في البر ، وتحملوا عليها أثقالكم ، وهيأ السفن في البحر ، وإرسال الرياح المختلفة التي تجري بالسفن في الجهات المختلفة .
--> ( 1 ) مضى البيت بمعناه في هذا الجزء . ( 2 ) هذا على رواية أبي عبيدة ، لكن في رواية الزوزني والخطيب ، ومعلقته ، هكذا : ( حلت بأرض الزائرين فأصبت عسرا . انتهى ) شطت أي : جاوزت . والزائر على رواية الزوزني : بمعنى العدو ، من زأر الأسد . شبه توعدهم وتهددهم بزئر الأسد .